للكاتبة الاديبة المبدعة / زينب حنفي
من كتاب ((نساء على خط الاستواء))
لا بد أن تُغرّد البلابل
- سيدتي، السيدة منى في غرفة الضيوف بانتظارك .
- قدّمي لها شيئاً . أخبريها أني آتية في الحال .
ارتدت ملابسها على عجل، نظرت إلى ساعة يدها، لاحظت أن صديقتها حضرت قبل موعدها بنصف ساعة، قالت لنفسها بتأفف (( كم أحب دقة المواعيد )) ألقت نظرة أخيرة على منظرها في المرآة، شعرت بالرضا، بدت أكثر جمالاً، الهالات السوداء تحت عينيها خفّت كثيراً عن السابق، نتيجة الأرق الذي صاحبها في الأسابيع الماضية .
(( مها . ما كل هذه الأناقة !! ستكونين نجمة الحفل هذه الليلة )) .قالت لها صديقتها وهي تتأمل طلتها .
طوال الطريق لم تكف منى عن الثرثرة، الحديث عن تفاصيل الحفل، عن صاحبة الدعوة، الإشادة بذوقها، كرمها، أناقتها، عن مركز زوجها الهام في الدولة، ونفوذه، وثروته الطائلة .
فُتحت بوابة القصر، دلفت العربة للداخل، دارت مها بعينيها في أرجاء المكان، أنوار الحديقة الخافتة، الشجيرات المزروعة فيها بعناية وتناسق، كانت في الركن الجانبي من الحديقة مرصوصة أعداد كبيرة من الطاولات الدائرية، مغطاة بمفارش بيضاء مزركشة، محاطة بعدد من الكراسي، مربوط بظهره شرائط من التل الزهري اللون .
(( أهلاً منى. تفضلي . ألا تعرفينني على صاحبة هذا الجمال الرائع ؟!)) قالت صاحبة القصر .
(( إنها صديقتي مها التي حدثتك عنها. أتذكرين ، لقد قصصت عليك قصتها، خرجت لتوها من تجربة زواج فاشلة بعد قصة حب عاصفة )) .
لوّحت بيدها قائلة (( كل الرجال لا أمان لهم . انظري إليّ . كل الناس يحسدونني على الترف الذي أعيش فيه .لا يعرفون أنني أحيا في وحدة قاتلة. زوجي طوال العام في رحلات عمل خارجية، أعلم أنه يصطحب معه في كل رحلة صديقة جديدة ترفه عنه)) متابعة بمرارة (( كل هذا لم يعد يهمني ، لقد رميته منذ سنوات خلف ظهري، وكوّنت لنفسي مجموعة من الصديقات أستمتع بوقتي معهن )) .
دققت مها النظر فيها، إنها بالكاد في الثلاثين من عمرها، جميلة الملامح، متناسقة الجسم، ألقت مها ناظريها حولها، كل شيء يدل بالفعل على البذخ، قاعة الضيوف الشرقية كانت مصممة على شكل جلسة عربية، السجاجيد الحرير مفروشة على الأرضية المغطاة بالرخام البرّاق، الخادمات الآسيويات كخلية نحل، لم يتوقفن طوال الوقت عن تقديم أفخر أنواع الحلوى السويسرية والمشروبات على اختلاف مذاقها، وقد ارتدين زياً موحداً، أضفى عليهن طابعاً مميزاً .
اقترحت صاحبة القصر على المدعوات بدء برنامج الحفل بعد العشاء، وافق الجميع بحماسة. كان عشاء مكلفاً يتضمن أصنافاً فرنسية وإيطالية وصينية بجانب الأطباق الشرقية المألوفة .
قالت منى بانبهار (( حفلة رائعة . أليس كذلك ؟؟)) مخاطبة مها .
اكتفت مها بإيماءة من رأسها، اتجهت صاحبة القصر صوب مها، ألحت عليها أن تأخذ كأس عصير، ما إن ارتشفت منه رشفة حتى بصقتها، سألتها بشيء من التوجس عن نوعيته، ضحكت قائلة وهي تغمز بعينيها (( إنه كأس من الجين مع التونك . هذا النوع يجعلك تحلقين في الفضاء . ألا تريدين أن تنسي آلامك !! إنها أنجح وسيلة للنسيان. تجعلك تستغنين عن زيارة عيادات الأطباء النفسانيين )). فهمت مها مغزى كلامها، أخبرتها بإصرار أنها لا تحب الخمور بسائر أنواعها .
بدأت المغنية في الغناء، امرأة ذات بشرة داكنة السمرة، متوسطة العمر، تحيط بها من الجانبين مجموعة من الفتيات تتراوح أعمارهن ما بين العشرين والخامسة والعشرين ، يُساندنها بالضرب على الدفوف، مهار
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ